محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
232
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فموافقة العلم التي ذكرها المؤلف على قسمين : موافقة العلم الظاهر ، وموافقة العلم الباطن ، أمّا موافقة العلم الظاهر فبأن لا يأخذ إلّا من يد بالغ عاقل تقي ، وقد جاء في الحديث : « لا تأكل إلّا طعام تقيّ ولا يأكل طعامك إلا تقي » « 1 » . فلا تأخذ من يد ظالم ولا عامل بالربا ، ولا جاهل بما يحل ويحرم من وجوه المكاسب ، ولا تأخذ من يد صبي ، ولا عبد غير مأذون له ، ولا معتوه . وأمّا موافقة العلم الباطن فبأن لا يأخذ إلّا ما كان على وجه الرفق والمعونة فلا يأخذ إلّا ما هو مفتقر إليه في الحال ولا غنى له عنه من ضرورياته وحاجاته من غير إسراف ولا إقتار ، ولا بأس أن يأخذ ما يزيد على ذلك بأن كان في خلقه سخاء وبذل وإيثاء وتخلّق بمحاسن الأخلاق ، لا ليتوصل به إلى حظّ عاجل من جاه أو رئاسة ، أو قبول عند الناس ، ولا يأخذ ما يعطاه على جهة الابتلاء والاختبار ، أمّا الابتلاء فأن يأتيه قبل وقته ، أو زائدا على حاجته ، فإن أخذه فليخرجه في السر ليأمن بذلك من آفة الإظهار . وأما الاختيار فأن لا يأخذ شيئا قد نوى تركه للّه تعالى من شهوة كان مبتلى بها قد ملكته وأسرته ومنعته القيام بحقوق ربّه ، فليوف بعهد اللّه تعالى ، وليدفع ذلك عن نفسه إن خاف انحلال عزمه ، وفساد نيته ، فإن لم يخف على ذلك فليأخذه وليخرجه إلى غيره . وهذا أشدّ شيء على النفس ، وهو من أعظم درجات الزهد . ولا يأخذ من منّان ، ولا فخور ، ولا مظهر لعطيته ، ولا يأخذ ممن يثقل على قلبه قبول عطيته ؛ فقد قيل : لا تأكل إلّا طعام من يرى لك الفضل عليه في أكله ، ولا تأكل إلّا طعام من يرى أنه وديعة عنده ، ولا تأكل إلا طعام زاهد ، لأنه يسرّ بأكلك ، ولا تأكل إلّا طعاما يراك صاحبه أفضل من الطعام . وقد روى أنه أهدى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمن وأقط « 2 » ، وكبش ، فقبل السمن والأقط ، وردّ الكبش . وكان يقبل من بعض الناس ويردّ على بعض . وقال : « لقد هممت أن لا أقبل إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي ، أو دوسيّ » « 3 » قال أبو طالب المكي : « وفعل هذا جماعة من التابعين » . جاءت إلى « فتح الموصلي » رضي اللّه تعالى عنه
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( أدب ، 16 ) ، والترمذي ( زهد ، 56 ) ، والدارمي ( أطعمة ، 23 ) ، وأحمد بن حنبل ( 3 ، 38 ) . ( 2 ) الأقط : لبن محمض يجفف ثم يطبخ ، أو يطبخ به . أو هو الجبن . ( 3 ) أخرجه المجتبى في ( سنن النسائي 6 / 280 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 292 ) ، والحاكم في ( المستدرك 2 / 63 ) ، والهيثمي في ( موارد الظمآن 1145 ، 1146 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 297 ) ، وابن كثير في التفسير ( 4 / 141 ) وعبد الرزاق في المصنف ( 19920 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 202 ) .